مجموعة مؤلفين

205

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

ذلك لأنه كان مقلدا لأصحاب هذه الآراء ، وإنما هو لموافقتها لما في مبادئ الإسلام . ولا غرو ، فالإسلام دين الفطرة بأكمل معاني هذه الكلمة ، ذلك مأتى اتفاق كل الفكر الفلسفية القديمة الناشئة عن الفطرة مع أسرار هذا الدين الجليل وبالتالي مع الحقائق الكونية التي لم يشبها خطأ أو انحراف . ولكن نقاء عقيدته ونبل مقاصده وترفعه عن التقليد ، بل عن التأثر بآراء الأجانب كل ذلك لم يمنع من حقد الحاقدين وافتراء المفترين ، وجور المتعصبين ولم يعصمه من أن يدسوا عليه بعد وفاته ما لم يدن به . وكأنما رأى بالكشف النوراني أنه سوف يتهم بالزيغ والانحراف عن العقيدة الإسلامية الصحيحة فسجل عقيدته في كتاب « الفتوحات » وأشهد الناس عليها قطعا لهذه الألسنة التي تلوثت بالكذب وتدنست بالافتراء . وسنقتطف هنا من هذه المسجلات الخالدة ما يثبت هذا الإجلال وذلك التقديس فيما يلي : « أشهدكم عبد ضعيف مسكين فقير إلى اللّه ، وهو مؤلف هذا الكتاب على نفسه بعد أن أشهد اللّه أنه يشهد قولا وعقدا أن اللّه تعالى إله واحد لا ثاني له في ألوهيته ، منزه عن الصاحبة والولد مالك ، لا شريك له ، ملك لا وزير له ، صانع لا مدبر معه موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده ، بل كل موجود سواه مفتقر إليه تعالى في وجوده ، فالعالم كله موجود به ، وهو متصف بالوجود لنفسه ، لا افتتاح لوجوده ، ولا نهاية لبقائه ، بل وجوده مطلق غير مقيد قائم بنفسه ليس بجوهر متحيز فيقدر له المكان ، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء ، ولا بجسم فتكون له الجهة والالتقاء ، مقدس عن الجهات والأقطار . . . خلق الكل من غير حاجة إليه ، ولا موجب أوجب ذلك عليه ، لكن علمه سبق بأن يخلق ما خلق فهو الأول والآخر ، والظاهر والباطن وهو على كل شئ قدير . أحاط بكل شئ علما ، وأحصى كل شئ عددا ، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور . كيف لا يعلم شيئا هو خلقه ؟ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ؟ علم الأشياء قبل وجودها ثم أوجدها على حد ما علمها ، فلم يزل عالما بالأشياء لم يتجدد له علم عند تجدد الأشياء ،